القاضي عبد الجبار الهمذاني
476
المغني في أبواب التوحيد والعدل
منها فعل الألم . فصار التمكين في هذا الباب أقوى . ثم لم يجب العوض على الممكن ؛ فبأن لا يجب على من فعل فيها الشهوة أولى . يبين ذلك أن الشهوة تؤثر تأثير الدواعي إذا وقعت على وجه ؛ لأنها مع العلم يقبح المشتهى ، وما فيه من الضرر لا تختص بهذه الصفة ، وإنما تختص متى عريت من ذلك . وقد علمنا في الشاهد أن من قوى دواعي غيره إلى الظلم لا يجب العوض عليه ، بل يجب على من فعله ما لم يبلغ ذلك حد الإلجاء . فكذلك القول في البهيمة . على أنا قد بينا من قبل أن الشهوة نفسها لا تدعو إلى الفعل ، وإنما الداعي إليه علم المشتهى من حالة بأنه مشته حتى لو حصلت الشهوة والمشتهى غير عالم بها لم يختص بذلك . ومتى علمها أو اعتقدها من دون علم لا ختص بهذه الصفة . وإذا صح ذلك وثبت أنه تعالى بأن فعل الإنسان عالما بالشهوة لا يجب العوض عليه فيما يقدم عليه من المضرة ، فبأن لا يجب / ذلك في الشهوة أولى « 1 » . فإن قال : إنه تعالى إذا جعله عالما فقد صرفه عن المشتهى بتقبيحه في عقله ومنعه منه بالنهى والزجر ، وذلك لا يتأتى في البهيمة . قيل له : إن الّذي ذكرته يقتضي أن علمه بأنه مشته لا يخلص في كونه داعيا ولا ينفى كونه داعيا إلى الفعل ، ولولا ذلك لما استحق الثواب بالامتناع منه . وإنما يحصل علمه بقبحه كالمقابل له في الدعاء إلى خلاف ما يدعو إليه . فلو كان ما ذكرته يوجب العوض عليه تعالى من حيث قوّى دواعيه ، لوجب ذلك عليه وإن لم يقوّ ذلك . يبين ما قلناه أنه لا فرق بين أن نقوى نحن دواعي من يعلم قبح الضرر أو من لا يعلم ذلك ، في أن العوض في الوجهين جميعا لا يجب علينا ، من حيث لم يخرج ذلك الألم من أن يكون واقعا باختيار غيرنا . فكذلك القول فيما ذكرناه .
--> ( 1 ) هذا كلام أعجمي !